محمد هادي معرفة

243

التفسير الأثري الجامع

وقال الفخر الرازي : أمّا قوله تعالى : لِمَنِ اتَّقى ففيه وجوه : أحدها : أنّ الحاجّ يرجع مغفورا له ، بشرط أن يتّقي اللّه فيما بقي من عمره ، ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب ! ومعناه : التحذير من الاتّكال على ما سلف من أعمال الحجّ . فبيّن - تعالى - أنّ عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحجّ السابق . وثانيها : أنّ هذه المغفرة إنّما تحصل لمن كان متّقيا قبل حجّه ، كما قال - تعالى - : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ « 1 » . وحقيقته أنّ المصرّ على الذنب لا ينفعه حجّه ، وإن كان قد أدّى الفرض في الظاهر ! وثالثها : أنّ هذه المغفرة إنّما تحصل لمن كان متّقيا عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحجّ ، كما : [ 2 / 5777 ] روي في الخبر من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » « 2 » . قال : واعلم أنّ الوجه الأوّل إشارة إلى اعتبار الاتّقاء في الحال . والتحقيق أنّه لا بدّ من الكلّ . ثمّ قال : وقال بعض المفسّرين : المراد بقوله : لِمَنِ اتَّقى ما يلزمه من التوقّي عنه في الحجّ ، من قتل الصيد وغيره ، لأنّه إذا لم يجتنب ذلك صار مأثوما ، وربما صار عمله محبطا ! قال : وهذا ضعيف من وجهين : الأوّل : أنّه تقييد للّفظ المطلق بغير دليل . الثاني : أنّ هذا لا يصحّ إلّا إذا حمل على ما قبل هذه الأيّام ، لأنّه في يوم النحر - بعد أن رمى وطاف وحلق - تحلّل قبل رمي الجمار ، فلا يلزمه اتّقاء الصيد إلّا في الحرم ، لكن ذاك ليس للإحرام . لكن اللفظ مشعر بأنّ هذا الاتّقاء معتبر في هذه الأيّام ، فسقط هذا الوجه ! « 3 » . * * * قلت : وما هذا التشويش والاضطراب إلّا لأنّهم لم يمعنوا النظر في ملابسات الآية وسياق

--> ( 1 ) المائدة 5 : 27 . ( 2 ) الدرّ 1 : 530 ؛ البخاري 2 : 141 ؛ مسلم 4 : 107 ؛ الترمذي 2 : 153 / 808 ؛ ابن ماجة 2 : 964 - 965 / 2889 . ( 3 ) التفسير الكبير 5 : 195 - 196 .